الراغب الأصفهاني

94

الذريعة إلى مكارم الشريعة

ومن حصل له ذلك فقد تذرع المكرمة المعنية بقوله تعالى : إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ « 1 » وصلح لخلافة اللّه ( تعالى ) ، وصار من الربانيين والشهداء والصديقين . واعلم أن العبادة أعم من المكرمة ، فإن كل مكرمة « 2 » عبادة ، وليس كل عبادة مكرمة ، ومن الفرق بينهما أن للعبادات فرائض معلومة وحدودا مرسومة ، وتاركها يصير ظالما متعديا ، والمكارم بخلافها « 3 » . ولن يستكمل الإنسان مكارم الشرع ما لم يقم بوظائف العبادات « 4 » ، فتحري العبادات من باب العدل ، وتحري المكارم من باب الفضل والنفل ، ولا يقبل تنفل من أهمل الفرد ، ولا تفضل من ترك العدل ، بل لا يصح تعاطي الفضل إلا بعد العدل « 5 » ، فإن العدل فعل ما يجب ، والتفضل الزيادة على ما يجب ، وكيف يصح تصور الزيادة على شيء هو غير حاصل في ذاته ، ولهذا قيل : لا يستطيع الوصول من ضيع الأصول . فمن شغله الفرض عن الفضل فمعذور ، ومن شغله الفضل عن الفرض فمغرور ، وقد أشار تعالى بالعدل إلى الأحكام ، وبالإحسان إلى المكارم بقوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ « 6 » ، وقوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ « 7 » ، ففعل الخير هو الزيادة على العبادة « * » .

--> ( 1 ) الحجرات / 13 . ( 2 ) في د فقط وأن كل مكرمة عطفا على أن العبادة أعم . ( 3 ) والمكارم بخلافها . ليست في أ . ( 4 ) في أالشرع بدل الشريعة ، ما لم يفهم وظائف وغيرها أصح منها . ( 5 ) ما تحته خط ساقط من أ . ( 6 ) النحل / 90 . ( 7 ) الحج / 77 . ( * ) ومما استشهد به الراغب يظهر أنه لا انفصال بين العبادة وبين المكرمة ، بل صلة